سوريا الفتية
رؤية شجاعة لمستقبل البلاد
لدى الشباب السوري رؤية جريئة وطموحة لمستقبل بلادهم. فرغم الرضوض التي مرّوا بها، ورغم الكفاح اليومي من أجل النجاة في ظل أطلال الاقتصاد السوري، يبقى الجيل الشاب، الذين تتراوح أعمار أبنائه وبناته بين الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين، نشطاً للغاية، منخرطاً في شؤون مجتمعاته، ومتعطّشاً للتغيير. وهو يريد بكل طاقته غداً مختلفاً. ويريد من الحكومة الانتقالية جعل الانتعاش الاقتصادي وتوفير فرص العمل أولى أولوياتها. لكن كما يبيّن البحث، ليس بأي ثمن. فهؤلاء الشباب والشابات غير مستعدين-ات للتنازل عن مبادئ المحاسبة وسيادة القانون والحريات الديمقراطية. فهم يتطلعون إلى سوريا جديدة، مستقرة، توحّدها منظومة من الحقوق المصونة، وفي صميم هذا كله، يتطلّعون إلى رؤية العدالة تتحقق.
هذا الجيل قضى أكثر طفولته في الحرب، ومن المدهش أن نراه محافظاً على تجذّره في حياة مجتمعه، متعلّقاً بشدّة بمستقبل وطنه، ومطالباً بمساحة للتجريب والتنظيم والمشاركة فيه. ثمة آفاق جديدة بالكامل ترستم في هذه اللحظة الحاسمة للغاية - والهشة للغاية أيضاً - من تاريخ البلاد. ولذلك على مختلف الجهات، في الداخل والخارج، الإصغاء إلى مطالب هؤلاء الشباب والصبايا، ووضعها نُصب أعينهم أثناء مباشرة أعمالهم أو اتخاذ قراراتهم. إنها مرحلة نادرة تشهد تحوّلاً سياسياً واجتماعياً خاصاً، ومن الضروري أن يحضر فيها الشباب شركاء فعليين في القرارات التي ستحدد مسار حياتهم، فهم عماد من أعمدة المستقبل السوري الموعود: الشفاء، والتجدّد، السلام، النموّ والاستقرار المبني على العدالة، الديمقراطية، الحقوق والحريات.
يحاول هذا البحث الجديد من حملة من أجل سوريا التقاط أصوات مئات الشبّان والشابّات السوريات، داخل سوريا وفي الشتات، ليقدّم قراءة لا غنى عنها لكل المهتمّين بما ينتظر الدولة السورية ومستقبل البلاد.
ماذا يريد الشباب السوري؟
طلبنا من سوريين وسوريات في عمر الشباب أن يخبرونا عما يعتقدون أنه أولويات ينبغي أن تمنحها الحكومة الانتقالية قصارى جهدها، وما يعتبرونه هم أيضاً أولوياتهم الشخصية بالنسبة لمستقبل سوريا.
العدالة
اختار 50% من المشاركين والمشاركات في الاستبيان «العدالة وسيادة القانون»، فيما نوّه 30% بأهمية «تطبيق العدالة الانتقالية» بوصفها أملهم الأساسي للسنوات الخمس القادمة.
فرص العمل
يرى 64% أن الأولوية القصوى للحكومة الانتقالية يجب أن تكون خلق وظائف وفرص عمل.
الحقوق
يعتقد 58% أن الحقوق والحريات هي المبدأ الأهم الذي ينبغي أن يقوم عليه الحكم السوري المستقبلي، فيما اختار 57% مبدأ الديمقراطية، و55% مبدأ المساواة أمام القانون.
كيف استطلعنا الآراء؟
:صمّمنا البحث لاستكشاف أربعة مسائل رئيسية
تطلعات الشباب لمستقبل سوريا، ولا سيما في ما يخص هياكل الحوكمة والعدالة الانتقالية-
الإجراءات المحددة التي يطالب بها الشباب الحكومة والمجتمع المدني والفاعلين الدوليين-
التحديات الرئيسية التي تواجه الشباب السوري في حياتهم اليومية وعوائق انخراطهم في الحياة العامة-
المستويات الراهنة وأنساق المشاركة الشبابية في الشأن العام وآليات صنع القرار-
للحصول على إجابات عن هذه الأسئلة، أجرينا استطلاعاً شمل ما يزيد قليلاً عن 500 شاب وشابة وتحدثنا مع 160 شاباً وشابة تتراوح أعمارهم-ن بين 18 و35 عاماً في جميع أنحاء سوريا والشتات. وقد دعمنا هذا البحث بمقابلات معمقة مع 5 خبراء في مجالات المجتمع المدني والإعلام وقضايا النوع الاجتماعي والشتات ومنظمات الشباب.
أنواع البيانات
502 مشاركاً ومشاركة في الاستطلاع عبر الإنترنت (من 14 محافظة ومجتمعات الشتات)
نقاشات نوعية مع 160 شاباً وشابة من مختلف أنحاء سوريا و مجتمعات الشتات.5
5 مقابلات معمقة مع خبراء ومتخصصين-ات
من مع تحدّثنا؟
تراوحت أعمار الشباب الذين شاركوا في بحثنا بين 18 و35 عاماً، وهم يعيشون بين سوريا ومختلف بقاع العالم. شاركونا آراءهم من خلال استبيان باللغة العربية عبر الإنترنت، أو من خلال نقاشات نوعية جرت بين كانون الأول 2025 وشباط 2026.
وخلال مقابلات معمّقة، تحدثنا مع خبراء وخبيرات في النوع الاجتماعي والمجتمع المدني والإعلام وعدة نشطاء شباب في الشتات.
شارك الجميع آراءهم وآراءهن مع إغفال الهوية الشخصية، وجرى تصميم النقاشات النوعية لتكون متنوعة وآمنة من حيث الحضور والتعبير. وقد سبق لمعدّي ومعدّات البحث التدرّب على المناهج المستنيرة بعلم النفس، ولا سيما فيما يتعلق بالرضوض والصدمات. جميع الاقتباسات المذكورة منسوبة لأصحابها وصاحباتها على أساس الجنس والموقع الجغرافي فحسب.
ملاحظة حول الاستبيان: العديد من الأسئلة احتوى إمكانية الإجابة بعدة خيارات في وقت واحد. وقد تم تقريب النسب المئوية إلى أقرب عدد.
ملاحظة حول الاستبيان: العديد من الأسئلة احتوى إمكانية الإجابة بعدة خيارات في وقت واحد. وقد تم تقريب النسب المئوية إلى أقرب عدد
المصدر: استبيان إلكتروني ضم 502 من السوريين والسوريات أعمارهم بين 18 و35 سنة
الحياة في سوريا: الواقع القاسي
في كانون الأول 2024، هرب بشار الأسد من دمشق على متن طائرة روسية، مسدلاً الستار بصورة مفاجئة على عقود من الحكم المتوحّش القمعي. منذ تلك الليلة، يُنقّب السوريون والسوريات في أنقاض نظامه باحثين عن مسار يُخرج بلادهم من المتاهة نحو طريق مستقيم.
في آذار 2025، أعلنت السلطات عن تشكيل حكومة انتقالية جديدة يترأسها الزعيم السابق لهيئة تحرير الشام أحمد الشرع، على أن تتولى إدارة البلاد لمدة خمس سنوات ريثما يتم اعتماد دستور دائم جديد وتجري انتخابات وطنية.
بيد أن الأوضاع لا تزال بالغة الصعوبة. الاقتصاد السوري في حالة انهيار، وهو بالكاد نما عام 2025 بنسبة 1%. وتعيش 9 من كل 10 عوائل سورية تحت خط الفقر، منهم 66% في حالة فقر مدقع. كما يعتمد نحو 75% من سكان سوريا على شكل من أشكال المساعدات الإنسانية. البطالة مرتفعة، وحتى من يعملون فإن تكاليف المعيشة تتجاوز معدّل الأجور بفارق كبير. ورغم تحسّن الخدمات الحيوية مثل الكهرباء في بعض المناطق، ما يزال كثيرون عاجزين عن سداد الفواتير
وبدوره ما يزال الوضع الأمني هشاً ومتفاوتاً بين منطقة وأخرى. ثمة عمليات قتل على أساس الهوية، بما فيها مجازر راح ضحيتها مدنيون من الطائفتين العلوية والدرزية في آذار وتموز 2025، ارتكبتها قوات حكومية وأخرى حليفة لها، أضرّت كثيراً بالثقة التي سبق أن نالتها الحكومة الانتقالية. وما تزال عدة جماعات مسلحة كتنظيم داعش وعناصر من فلول النظام السابق تتربّص بالأوضاع الجديدة من لاستغلال المظالم المحلية والإحباطات المتصاعدة، في حين تسعى أطراف خارجية كإسرائيل إلى ترسيخ نفوذها عبر توظيف التوترات بين الحكومة الانتقالية وجماعات سورية مناوئة لها، مثل الدروز جنوب سوريا. ومطلع عام 2026، أسفرت موجة تصعيد شهده شمال شرق البلاد بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أمريكياً عن نزوح ما يُقدَّر بـ170,000 شخص.
وما يزال المجتمع المدني السوري يعاني من قيود صارمة. فعلى الرغم من إعلان الحكومة الانتقالية عزمها إلغاءه، بقي القانون رقم 93 لعام 1958 - الذي كان يوظّفه نظام الأسد للسيطرة على المنظمات وحرمان المواطنين السوريين من حقهم في حرية تكوين الجمعيات - نافذاً حتى اللحظة. ورغم اتخاذ خطوات أولية نحو إرساء مسار للعدالة الانتقالية، من بينها تأسيس لجنتين وطنيتين، غير أن التقدم ما يزال بطيء الوتيرة، كما أن الثقة في معايير هذا المسار ومشروعيته وحياديته متفاوتة بين المكوّنات والمناطق.
مطالب الشباب
الفرصة الاقتصادية
يُشير 86% من المشاركين والمشاركات في الاستبيان إلى أن التحديات الاقتصادية شاغلهم الأول في الحياة اليومية. ويظل هذا الرقم ثابتاً إلى حد بعيد عبر مختلف المناطق الجغرافية والفئات العمرية والجنسية وأوضاع النزوح، مما يؤكد أن الضغط الاقتصادي ألم مشترك تعيشه غالبية الشباب السوري.
أزمة البطالة حادّة بشكل أكبر بالنسبة للشباب؛ إذ يرى 64% أن توفير فرص العمل هو الأولوية القصوى الواجبة على الحكومة الانتقالية، فيما اعتبر 39% من المشاركين والمشاركات أن نقص فرص العمل هي أبرز مخاوفهم. وحتى من يجدون عملاً يتقاضون رواتب لا تكفي لتلبية احتياجاتهم الأساسية، ما يجعلهم مضطرين للاعتماد على الدعم العائلي، إن توفر، حتى في مراحل متقدمة من العمر.
تكاد نسبة الشباب السوري العامل في الاقتصاد غير الرسمي، سواء العاملين بشكل موسمي أو غير نظامي (20%) أو الباحثين عن عمل (23%)، تعادل نسبة أقرانهم في الاقتصاد الرسمي، وهذا يزيد خطر الاستغلال في سوق عمل يكاد يخلو من أي تنظيم.
كان لدى الشباب السوري الذي تحدّثنا إليه أفكار كثيرة حول تحسين آفاقهم الاقتصادية، فقد اقترحوا عدة مبادرات متعلقة بتشغيل الشباب، وتخصيص حصص وظائف، وبرامج تدريب مهني تربط التعليم بسوق العمل. كما طالبوا بدعم رواد الأعمال، وبرامج تمويل صغير ميسّرة، وتبسيط إجراءات تسجيل الشركات. كما عبروا عن رغبتهم في توزيع ثمار النهوض الاقتصادي بصورة عادلة على مختلف المناطق الجغرافية، وذلك عبر إيجاد حوافز للاستثمار خارج العاصمة دمشق، ومن ثم ربط التنمية المناطقية بفرص تشغيل الشباب.
المصدر: استبيان إلكتروني ضم 502 من السوريين والسوريات أعمارهم بين 18 و35 سنة (كان بالإمكان الإجابة بثلاثة خيارات كحد أقصى)
الحقوق والحريات
بعد سنوات من سلطة الدولة المطلقة وغير الخاضعة لأي ضوابط، يسعى الشباب السوري إلى نظام قائم على القواعد والوضوح الإجرائي، بحيث تكون سلطات الدولة معرّفة ومقيّدة وقابلة للتنبؤ، بما يضمن الحقوق والحريات الفردية.
اختار 58% من الشباب مبدأ الحقوق والحريات أولاً حين سُئلوا عن المبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها الحكم السوري المستقبلي، فيما اختار 57% مبدأ الديمقراطية، و55% مبدأ المساواة أمام القانون. ولدى سؤالهم عن تطلعاتهم للسنوات الخمس المقبلة، وضع 50% ضمن أولوياتهم القصوى فرض سيادة القانون في عموم سوريا.
المخاوف المتعلقة بحرية التعبير حاضرة بشكل خاص. يقول 68% من المشاركين والمشاركات في الاستبيان إنهم بحاجة إلى مساحات آمنة ومحايدة للتعبير عن آرائهم بحرية، فيما نوّه 57% بالحاجة إلى إطار قانوني يضمن حرية التعبير. ورغم أن سقوط نظام الأسد أزال بعض القيود المتشدّدة التي كانت تقيّد الحق في التعبير، على الأقل ظاهرياً، إلا أن انفتاح الفضاء المعلوماتي في سوريا ترافق مع تدفّق هائل للتضليل والمحتوى الاستقطابي. وبالنسبة إلى جيل نشط بكثافة في وسائل التواصل الاجتماعي، يشكّل طوفان المعلومات الخاطئة والمضلّلة تحدياً هائلاً أمام شباب يسعى لتكوين آراء مستنيرة حول المرحلة الانتقالية ومستقبل البلاد.
المصدر: استبيان إلكتروني ضم 502 من السوريين والسوريات أعمارهم بين 18 و35 سنة (كان بالإمكان الإجابة بخمسة خيارات كحد أقصى)
المصدر: استبيان إلكتروني ضم 502 من السوريين والسوريات أعمارهم بين 18 و35 سنة (كان بالإمكان الإجابة بثلاثة خيارات كحد أقصى)
العدالة والمساءلة
يرى الشباب السوري العدالة والمساءلة خطوة جوهرية لا تفاوض بشأنها من أجل مستقبل يعمّه السلام. يقول 50% إن العدالة وسيادة القانون تطلع أساسي لهم طوال السنوات الخمس المقبلة، فيما يضع 30% تطبيق العدالة الانتقالية على رأس أولوياتهم.
ما هي العدالة الانتقالية؟
عندما يسعى مجتمع ما للتعامل مع إرث من النزاع والقمع والانتهاكات، يلجأ إلى مجموعة عمليات وآليات تضمن المساءلة وتحقيق العدالة وتحقيق المصالحة. هذه العمليات والآليات تسمى العدالة الانتقالية.
وقد تشمل العدالة الانتقالية آليات قضائية وغير قضائية، مثل تقصّي الحقيقة، وجبر الضرر، والملاحقات القضائية، واتخاذ تدابير لمنع تكرار الانتهاكات. وغالباً ما تتضمن إصلاحات دستورية وقانونية ومؤسسية، وحفظ الأرشيفات، وتعزيز المجتمع المدني، وإحياء الذاكرة، والمبادرات الثقافية، وإصلاح مناهج التاريخ. كما تهدف العدالة الانتقالية إلى الاعتراف بآلام الضحايا، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة. تقوم العدالة الانتقالية بترسيخ احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، ما يجعلها خطوة أساسية على مسار المصالحة.
من الواضح أن مفهوم المساءلة - بمعنى إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب السائدة في سوريا، ورؤية الجناة في قبضة العدالة لمحاسبتهم على ما اقترفوه - مفهوم بالغ الأهمية في تصوّرات الشباب. فعند سؤالهم عن فهمهم للعدالة الانتقالية، أشار 64% من الشباب إلى محاسبة الجناة. وهذا يدل على أن محاولات المصالحة المفتقرة إلى مساءلة لا تملك المصداقية الكافية وستواجهها مقاومة كبيرة على الأرجح.
السلامة والاستقرار
يؤكد الشباب السوري أن السلامة والاستقرار شرطان مسبقان لمستقبل أكثر حفولاً بالأمل. فقد اختار 55% من المقيمين داخل سوريا «بلد مستقر وآمن» على رأس تطلّعاتهم للسنوات الخمس المقبلة. المثير للاهتمام، في المقابل، أن المقيمين في الشتات منحوا أولوية أعلى نسبياً لتطبيق العدالة الانتقالية وضمان الحقوق والحريات والشفافية، الأمر الذي يمكن تفسيره ربما بقلّة تعرّضهم للخطر المباشر والمستمر.
وفي داخل سوريا، أظهر البحث اختلافاً كبيراً في الهمّ الأمني بين المناطق. نجد القلق ملموساً بشكل خاص في السويداء، حيث ذكر أكثر من 89% من المشاركين والمشاركات أن الأمن أولوية قصوى لديهم. وبالمثل نجد قلقاً عالياً في القنيطرة، بنسبة 71%. وفي المناطق الساحلية، حيث عانى أبناء وبنات الأقليات ولا سيما العلويون، من عنف مقلق موثّق طوال عام 2025، فقد بلغت النسبة 69%.
يواجه الشباب في مناطق مثل طرطوس، إحدى المناطق الساحلية التي اجتاحتها موجة عنف في آذار 2025، مزيجاً معقداً من المخاوف الأمنية، الأمر الذي فاقمته حوادث الخطف المستمرة وحالة اللايقين المتعلقة بأفضل سُبُل التعامل مع السلطات الانتقالية.
الأمن
منذ سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، تخللت الأشهر الثمانية عشر الأولى من عمر الحكومة الانتقالية عدة موجات من العنف. ففي مطلع عام 2025، اجتاحت أعمال عنف مروعة - شارك فيها أفراد من قوات الحكومة المؤقتة - مناطق الساحل وغرب وسط سوريا. استهدف العنف بشكل أساسي القرى والمناطق العلوية، وبلغ ذروته في أوائل آذار بمذابح أودت بحياة ما يقرب من 1400 شخص، معظمهم من المدنيين، وأدت إلى نزوح عشرات الآلاف.
في السويداء، جنوب سوريا، يعاني الشباب من الانهيار التام للحياة الطبيعية. ففي تموز 2025، قُتل أكثر من 1,700 شخص، معظمهم من المدنيين الدروز ولكن أيضاً منهم من المجتمعات البدوية، على يد قوات حكومية وجماعات مسلحة أخرى. شمل العنف عمليات قتل ميداني، وخطف، وتهجير جماعي. العديد ممن شاركوا في بحثنا صرّحوا لنا بخوفهم من القتل على الهوية.
ورغم ذلك، أظهر البحث بوضوح أن شباب المنطقة ما يزالون منخرطين في أعمال تحسين الحياة في مجتمعاتهم، سواء من خلال الإغاثة والتوثيق أو عبر مبادرات ثقافية وتراثية وفنية.
في كانون الثاني 2026، نجحت القوات العسكرية السورية في عملية خاطفة في السيطرة على مساحات واسعة من شمال شرق سوريا كانت خاضعة سابقاً لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. والآن بدأت تظهر تقارير عن أعمال عنف خطيرة طالت المدنيين، ولا سيما السكان الأكراد، وسط سيل مربك من المعلومات المضللة.
المشاركة
في ضوء العنف الفعلي - أو الخوف من العنف - الذي يعاني منه الشباب، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية القاسية، يبدو لافتاً أن 61% من شباب سوريا منخرطون في أعمال تطوعية، وأن 45% نشطون مع منظمات المجتمع المدني، فيما يشارك 28% في النشاط السياسي عبر الإنترنت. هذا يعني أن طاقتهم ورغبتهم في المساهمة الإيجابية وخلق أثر ملموس في بلادهم، رغم كل الصعوبات، عنصر بالغ الحيوية لمستقبل سوريا.
من الواضح أن الشباب راغبون في المشاركة في بناء مستقبل جديد لمجتمعاتهم وبلادهم. غير أن مشاركتهم الحالية متركزة بشكل كبير على المجتمع المدني، وتكاد تكون غائبة تماماً عن مساحات السياسة الرسمية. إذ يقول 51% من الشباب إنهم لا يملكون أي تواصل مع الجهات الرسمية.
تحظى منظمات المجتمع المدني في سوريا بثقة متراكمة عبر سنوات. فعند سؤال الشباب عن مصادر المعلومات الأكثر موثوقية لديهم، جاءت هذه المنظمات في المرتبة الأولى، على قدم المساواة مع الأصدقاء والعائلة، وبفارق كبير عن الإعلام الرسمي أو منصات السلطات المحلية أو القنوات والمنافذ الإعلامية التقليدية. وسيحتاج بناء الثقة بالحكومة والمؤسسات والسلطات الرسمية إلى وقت، الأمر الذي يستدعي ضرورة اتخاذ خطوات استباقية لتعزيز المشاركة الشبابية الحقيقية والفاعلة.
يحتفظ الشباب السوري داخل البلاد بقدر أكبر من التفاؤل حيال جدوى المشاركة بالمقارنة مع أقرانهم في الشتات: 30% من المقيمين داخل سوريا يرون في المشاركة «عديمة الجدوى»، مقابل 44% من أبناء الجاليات السورية في الخارج. وقد يعود ذلك إلى شعور أكبر لدى شباب الشتات بالانفصال عن واقع التغيير وإمكانية التأثير الفعلي فيه.
المثير للاهتمام أن التهجير يبدو باعثاً للرغبة في المشاركة لا مثبّطاً لها. فقد أبدى المشاركون والمشاركات ممن سبق لهم أن عايشوا النزوح أو ما يزالون نازحين مستويات مشاركة أعلى: 50% مقابل 37% من أجمالي الذين لم ينزحوا قط. فقط 9% من الشباب النازحين قالوا إنهم لم ينخرطوا في الحياة المدنية بأي شكل. ويؤمن النازحون والنازحات داخل سوريا بجدوى المشاركة، إذ لا يصفها بأنها «عديمة الجدوى» سوى 25%، مقابل 35% من الذين لم يختبروا النزوح. غير أنهم في الوقت ذاته يخافون بشكل أكبر من العواقب المحتملة للمشاركة والتعامل مع السلطات.
المصدر: استبيان إلكتروني ضم 502 من السوريين والسوريات أعمارهم بين 18 و35 سنة (كان بالإمكان الإجابة بثلاثة خيارات كحد أقصى)
أبرز العوائق التي تحول دون تحقيق الرؤية
المصدر: استبيان إلكتروني ضم 502 من السوريين والسوريات أعمارهم بين 18 و35 سنة
المصدر: استبيان إلكتروني ضم 502 من السوريين والسوريات أعمارهم بين 18 و35 سنة (كان بالإمكان الإجابة بثلاثة خيارات كحد أقصى)
اتضح من بحثنا أن لدى الشباب رؤية محددة لسوريا - لتجددها الاقتصادي، ولقيامها على الحقوق، ولتحقيق المساءلة والأمن فيها - وأنهم يتطلعون إلى لعب دور في تحقيق هذه الرؤية. غير أن قدرتهم على ذلك تظل مقيّدة للغاية نتيجة عدد من العوامل الأساسية:
الإقصاء من اتخاذ القرار
ثمة فرق بين المشاركة واتخاذ القرار. رصدنا شعوراً واسعاً بالإحباط لدى الشبان والشابات لأنهم «يشاركون من دون أن يقرروا». فعلى الرغم من انخراطهم العالي في العمل المجتمعي والتنظيم المدني، فقط 16% منهم قالوا إنهم يشاركون بالفعل في صنع القرارات المتعلقة بالحياة العامة، فيما أفاد 51% بغياب أي اشتباك أو صلة تربطهم بالسلطات الرسمية، واعتبر 32% أن المشاركة «عديمة الجدوى».
نحن أمام جيل يؤمن إيماناً راسخاً بإمكانات العمل المدني وقدرته على التغيير، لكنه فقد ثقته بالمسارات السياسية الرسمية. ولذلك فإن طاقته المدنية الاستثنائية تتجه بشكل شبه حصري نحو الأنشطة القاعدية، بينما نجد غياباً لافتاً لهذه الطاقة في الهياكل الرسمية.
إلى جانب ضعف الثقة في القنوات والهيئات الرسمية، أشار الشباب مراراً إلى عوائق بنيوية تحول دون مشاركتهم: إذ يقول 45% إنهم يجدون صعوبة في الوصول إلى صناع القرار، وينوّه 42% بنقص فرص المشاركة من الأصل. كما يرى 48% أن فئات بعينها مهيمنة على عملية اتخاذ القرار، فيما يعتقد 54% بوجود فئات وأصوات مهمّشة بشكل منهجي.
وفيما يتعلق بالمبادئ التي يودّ الشباب السوري أن يرى بلاده مبنية عليها، يبدو أن سعة المشاركة مبدأ أساسي. لكن يبدو أنه، في الوقت الحالي، حتى الشباب ذوو المهارات العالية والاندفاع الكبير يجدون صعوبة في الوصول إلى مساحات اتخاذ القرار الرسمية.
الخوف
في ظل ما يمرّ به الشباب من تجارب قاسية واستمرار لحالة اللايقين، من المفهوم أن يشكّل الخوف عائقاً رئيسياً يحول دون تحقيق الرؤية. فرغم الإيجابية المبدئية والرغبة في السعي، يخشى الشباب السوري العنف والحكم الاجتماعي القاسي، ويخشون العواقب المحتملة لبحثهم عن المعلومات أو مشاركتهم الفاعلة في الحياة العامة، كما يخشون الكذب والتضليل والتعنيف عبر الإنترنت. وإلى أن تتحسن مستويات الأمان الجسدي والنفسي في البلاد، ستظل قدرتهم على لعب دور إيجابي يصنع فارقاً محدودة.
الضغط الاقتصادي
في بدايات 2026، ثمة أكثر من 9 ملايين شخص في سوريا يعاني من انعدام الأمن الغذائي، وثمة 14 مليون آخرون محرومون من الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي والكهرباء.
على سلّم الحاجات، تتقدم متطلبات النجاة على كل ما عداها. فحين تصبح النجاة بحد ذاتها معركة، لا تعود هناك طاقة ولا مقدرة على الإبداع ولا إرادة شخصية إلا وسُخّرت في سبيل تأمين الأساسيات. وما تزال الضغوط الاقتصادية طاغية على حياة الغالبية في سوريا، ما يقلّص بشدة قدرة الشباب على الانخراط في أي مجال عام.
التمييز الجندري
تكشف نتائج البحث أن نساء سوريا يواجهن التحديات ذاتها التي يواجهها جميع الشباب، بالإضافة إلى قيود اقتصادية وأمنية واجتماعية إضافية مرتبطة بالهوية الجنسانية. فظروف النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي دفعت الكثير من الفتيات والنساء ليصبحن معيلات وحيدات أو مشاركات في إعالة أسرهن. لكنهن مع ذلك يخضعن لقيود قانونية واجتماعية جديدة باسم «الآداب العامة» تحدّ من حضورهن في الفضاء العام، مثل منع المكياج لموظّفات القطاع العام في اللاذقية.
هذه القيود تمتد إلى المجالين العام والخاص: ففي سوق العمل، تعاني النساء من فجوة كبيرة في الأجور، وداخل الأسرة كثيراً ما تميل سلطة اتخاذ القرارات لمصلحة الرجال.
كذلك تواجه النساء مخاوف أمنية أكبر من الرجال، سواء في الفضاء الرقمي أو الواقعي
المصدر: استبيان إلكتروني ضم 502 من السوريين والسوريات أعمارهم بين 18 و35 سنة (كان بالإمكان الإجابة بخمسة خيارات كحد أقصى)
ما الحلول التي يراها الشباب؟
يواجه الشباب السوري تحديات عميقة ومستمرة، إلا أن بحثنا يكشف أيضاً عن ثراء في أفكارهم المتعلقة ببناء مستقبل أفضل لأنفسهم ولأهاليهم ولسوريا ككل. وعلى الرغم من الاختلافات الشاسعة في تجاربهم، بحسب الموقع الجغرافي أو النوع الاجتماعي أو مستوى التعليم، إلا أن أفكارهم اتسمت بتشابه لافت وتكرار للموضوعات الأساسية، يريدون مستقبلاً قائماً على العدالة والسلام والأمن.
المصدر: استبيان إلكتروني ضم 502 من السوريين والسوريات أعمارهم بين 18 و35 سنة (كان بالإمكان الإجابة لثلاثة خيارات كحد أقصى)
وبينما تقوم الحكومة السورية بتطوير الاستراتيجية الوطنية للشباب، نقدم التوصيات أدناه، الموجّهة لصنّاع السياسات ضمن الحكومة الانتقالية السورية وفي المجتمع الدولي، مستمدة مباشرة من هذه الأفكار:
للحكومة الانتقالية السورية
- منح الأولوية لاستعادة الفرص الاقتصادية للشباب. ويجب أن يبدأ ذلك بجهود منسقة لإعادة الخدمات الأساسية، بما في ذلك الإنترنت والكهرباء والمياه والخدمات الصحية. كذلك ينبغي إطلاق برامج توظيف وتدريب مهني موجهة للشباب بشكل أساسي، مع ربط أعمال إعادة الإعمار بفرص التدريب والتطوير، إلى جانب فرض حصص توظيف إلزامية لشريحة الشباب وحوافز ضريبية للشركات. كما ينبغي ضمان التوزيع الجغرافي العادل لهذه الفرص
- ترسيخ الحقوق والحريات. يجب أن يكون ضمان الحقوق والحريات في صلب العقد الاجتماعي الجديد الجاري تشكيله بين الدولة والمواطنين. ينبغي تمكين المواطنين والمواطنات من التنظيم والتعبير دون خوف من القمع أوالانتقام، كما يجب ضمان حقوق النساء على قدم المساواة مع الرجال، ولا بد من الاستثمار في مكافحة التضليل الإعلامي الافتراضي
- تفعيل مسارات العدالة الانتقالية وآليات المساءلة. لا بد من إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب التي أثقلت كاهل السوريين والسوريات لفترة طويلة للغاية. ولا بد من ضمان تطبيق سيادة القانون على الجميع. ويجب أن يترافق ذلك مع استثمار في مبادرات حوارية تتناول المسائل المتعلقة بالمظلومية والذاكرة الاجتماعية، وإعادة بناء الثقة بين مختلف الفرقاء والجماعات المتنازعة، مع الالتزام بالتوثيق والشفافية محلياً ودولياً
- ضمان السلامة والأمن بإنصاف في جميع أنحاء سوريا. يجب اتخاذ إجراءات فورية لتحسين الوضع الأمني في السويداء وحمص والمناطق الساحلية والشمال الشرقي، مع ضمان الحماية غير التمييزية للجميع والمحاسبة على جميع انتهاكات حقوق الإنسان
- اتخاذ خطوات للاستثمار في طاقة ورؤية وإصرار الشباب على المشاركة العامة. يجب تطوير أُطُر واضحة تسمح بتمثيل الشباب في صنع القرار وطنياً ومحلياً تمثيلاً حقيقياً وشاملاً، مع معالجة القيود المفروضة على مشاركة النساء في العمليات السياسية وعمليات اتخاذ القرار، بالإضافة إلى رفع القيود التي يعاني منها الشباب في المناطق الريفية وأبناء الأقليات. كما ينبغي تمويل برامج لتطوير المهارات السياسية للشباب
للمجتمع الدولي
- العمل على استعادة الدعم لبرامج الشباب في سوريا والتعامل مع أزمة التمويل. على وجه التحديد، ينبغي السعي لإعادة تمويل برامج الديمقراطية والحقوق والمشاركة، وإيجاد تمويل أساسي للمبادرات الشبابية وبناء قدرات المنظمات المحلية، مع الحفاظ على التوازن الجغرافي ومراعاة المناطق المهمشة والأقل حظوة في العادة
- تقديم دعم لمبادرات العدالة الانتقالية، بما يشمل تمويل برامج التوعية التي تستهدف الفئات الشابة والعاملين على تمكين وتمثيل الفئات الشابة وإدماجها في آليات العدالة الانتقالية
- العمل على وضع السلطات الانتقالية أمام مسؤولياتها فيما يتعلق بالتزاماتها المعلنة بمشاركة الشباب، وحقوق النساء، وحماية الأقليات
- الحفاظ على موقف مرن فيما يتعلق بالعودة الطوعية للاجئين في دول الشتات، بما في ذلك أولئك الراغبين في العودة إلى سوريا مؤقتاً. ينبغي تجنّب الخيار القسري بين الإقامة في المنفى أو العودة النهائية إلى الوطن
المصدر: استبيان إلكتروني ضم 502 من السوريين والسوريات أعمارهم بين 18 و35 سنة (كان بالإمكان الإجابة لثلاثة خيارات كحد أقصى)
الفرص الاقتصادية
إعادة الخدمات الأساسية مثل الإنترنت والكهرباء والمياه والخدمات الصحية ✓
إطلاق برامج توظيف موجّهة للشباب، وربطها بفرص التدريب والتطوير المرتبطة بإعادة الإعمار ✓
فرض حصص توظيف إلزامي للشباب ✓
الاستثمار في برامج التدريب المهني ✓
ضمان توزيع جغرافي عادل لفرص العمل بحيث يستفيد الشباب في المناطق المهمّشة أيضاً ✓
الحقوق والحريات
تمكين الشباب من التنظيم دون قمع ✓
توفير مساحات آمنة للتعبير دون خوف، وإنشاء آليات حماية لأصحاب الرأي ✓
تطوير معلومات ميسّرة لمجتمعات الصم والبكم، وتحسين وصول ذوي الإعاقات في وسائل النقل ✓
العدالة والمساءلة
ضمان تطبيق سيادة القانون على الجميع ✓
الاستثمار في مبادرات السلم الأهلي لبناء الثقة بين فرقاء النزاع سابقاً ✓
مواصلة توثيق الانتهاكات والالتزام بالشفافية محلياً ودولياً ✓
تحقيق العدالة، لا مجرد المساواة، في فرص النساء ✓
إنشاء برامج تبادل عابر للمناطق، وتيسير حوارات حول المظلومية والذواكر الاجتماعية ✓
السلامة والاستقرار
ضمان الأمن بإنصاف واتخاذ إجراءات فورية بشأن السويداء والمناطق الساحلية ✓
ضمان حماية غير تمييزية لجميع الجماعات والمحاسبة على العنف الطائفي ✓
المشاركة
التمثيل
سنّ قوانين واضحة لتمثيل الشباب في مراكز صنع القرار تمثيلاً حقيقياً، مثل تخصيص نسبة 30% لشريحتهم في ✓ المجالس الإدارية والتشريعية
إنشاء غرف شبابية تحت وزارة الشؤون الاجتماعية في كل محافظة، ومجالس شبابية منتخبة محلياً مع سلطات ✓ وموازنات فعلية
تسهيل ترخيص اتحادات الشباب والأحزاب والجمعيات ✓
إنشاء منصات حكومية إلكترونية تفاعلية وإجراء استفتاءات رقمية قبل اتخاذ القرارات الكبرى ✓
تفعيل وزارة الشباب المقترحة ✓
النساء
معالجة القيود الجنسانية المفروضة على مشاركة النساء ✓
تخصيص مساحات آمنة مثل المراكز النسائية، لضمان حرية التعبير بعيداً عن الرقابة الاجتماعية ✓
توفير وسائل نقل آمنة للشابات للمشاركة في الأنشطة العامة ✓
الانتشار
ردم الفجوة بين الشباب النازحين والشباب في المدن ✓
إنشاء برامج شبابية ذات امتداد ريفي، مع التركيز على إشراك مجتمعات الأقليات المعرضة لمخاطر أمنية أعلى ✓
إنشاء نقاط تواصل وجمعيات في المناطق الريفية والقرى ✓
المهارات
تمويل برامج موجّهة لتطوير مهارات الشباب السياسية والقانونية والاجتماعية والثقافية، مثل تحليل السياسات✓ والميزانيات، وصياغة القوانين، وبناء التحالفات، والتواصل الاستراتيجي، والقيادة
الفضاء الرقمي
إنشاء مساحات آمنة وحرة ومحايدة، مع الاستثمار في الإعلام المحلي ومحو الأمية الإعلامية لتمكين الشباب من ✓ التعبير والتأثير
تطبيق قوانين الجرائم الإلكترونية لضمان الأمن الرقمي ✓
مكافحة التضليل واعتبار الوصول إلى المعلومات الموثوقة أداة أساسية لبناء السلام ومنع النزاعات ✓
خاتمة
الأصوات الموثّقة هنا تمثّل مساهمة ضرورية في مسار انتقال سوريا نحو مستقبل ديمقراطي عادل. يبلغ متوسّط عمر السوريين والسوريات 23 عاماً، وأكثر من 42% منهم دون سن الخامسة والعشرين. بالنسبة لبلد يسعى لإعادة إعمار ما خلّفته الحرب، هذه الشريحة العمرية فرصة هائلة. يمثل الشباب، بطاقتهم وأفكارهم وتفاؤلهم الذي يعكسه هذا البحث، رصيداً ثميناً للغاية. لكن الشباب بحاجة إلى فرص حقيقية في التعليم، والتدريب المهني، والعمل، والمشاركة السياسية الهادفة والحقيقية. أما في حال تهميشهم الاقتصادي وإقصائهم السياسي، وفي حال فشل رؤيتهم الساعية إلى مجتمع قائم على الحقوق، أو تبدّد اللحظة الحالية الحاسمة في موضوعي العدالة والمساءلة، فإن الخطر أن يصبحوا جيلاً ضائعاً تفقد بعدهم سوريا نافذة فرص قد لا تتكرر.
في الوقت الراهن، يبدو أن سوريا تسير بلا اتجاه واضح أو خارطة طريق متينة تشرح خطوات انتقالها السياسي وتعافيها الاقتصادي. تتركّز عملية صنع القرار ضمن دائرة ضيقة، ولا وضوح فيما يتعلق بشكل الدستور الجديد، أو الجدول الزمني لعقد الانتخابات، أو مسارات الإصلاح المؤسسي. ولا تزال مساحة العمل السياسي مقيّدة للغاية. ورغم بدء ظهور آليات للعدالة الانتقالية، إلا أنها تحتاج إلى توسيع وتعميق وتسريع، وإلا سيصبح الاستقرار الدائم حلماً بعيد المنال. إن الإحباط الشعبي في تزايد ملحوظ نتيجة هذا الجمود السياسي، بالإضافة إلى الواقع الاقتصادي القاسي الكامن وراءه.
يبذل الشباب السوري قصارى جهدهم في مسارات المشاركة السياسية المتاحة لهم، وهم على وعي تام بحدود أثرهم وضعف قدرتهم على إحداث تغيير فعلي. وفي حال استمر الوضع على ما هو عليه، ثمة خطر جدي في تحوّل آمالهم وإصرارهم وتحدّيهم للواقع إلى مزيج من اليأس والخيبة والانكسار. إن إقصاء هذه الشريحة الحيوية من المجتمع كارثي على عملية إعادة الإعمار. ولذلك ينبغي على صناع القرار، داخل سوريا وخارجها، الإصغاء جيداً لهذه الشريحة والاستجابة العميقة لمطالبها. لا يمكن بناء ثقة في الحكومة الانتقالية، ولا في أي حكومة بعدها، إلا عبر الإشراك الجدي للشباب في القضايا التي تعنيهم وتشغل بالهم.
هذا البحث المعتمد على أدوات منهجية مختلطة من إعداد د. خلود الخطيب ومحمد خليل لصالح حملة من أجل سوريا
يتم تمويل هذا المشروع من قبل وزارة الخارجية الألمانية الاتحادية والاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية الدنماركية، ويدعمه الوكالة الألمانية للتعاون الدولي.